
يبدو ان مى غريب اختزنت كل مشاهد قوات الامن المركزى التى تكدست امام الجامعة فى مجال بصرها , تطالعها كل يوم بعيون متحفزة لاى هجوم , اعادت مى انتاج كل هذه المشاهد فى قصه "العسكر " التى تحمل نفس روح المشاهد الجامعية فى سياق مختلف . وقفنا امام بعضنا البعض ننظرلبعض فى تحدى ورهبة.نحن وهم.اعتدنا ان نكون واحد.نحن بالفعل فى غير هذا الموقف نكون واحدا.لكن اليوم.....الان.اصبحنا نحن وهم.هم بالنسبه لنا المتخاذلون ونحن لهم مصدرالرزق.واقفين صفين تحت الشمس الحارقه .كلنا-نحن وهم-تحرقنا حرارة الجوع اكثر من الشمس-كلنا.نحن واقفين نرفع اليفط والشعارات ((جعانين))((نريد الخبز))اعتدنا منذ زمن ليس ببعيد ان نرفع شعارات عن الحرية والديموقراطية والاصلاح والتغيير.اما الان لم نعد نسطيع.هزلت اجسادنا وضعفت ارادتناوغلبنا الجوع.لم نعد نقوى على حمل كلمة ثقيلة مثل ((الحرية))اما كلمة الجوع فقد اصبحت أخف وأحب للنفس.واقفين اما بعضنا صفين كانها حرب من حروب القدامى.كل ينظر فى عين الاخر-بانهاك-متحفز لاى حركة او كلمة, كل منهك منتظر الاخر ان يبدأ.و انا انظر لهؤلاءالماثلين امامى , حقيقا اشعر بالشفقة اكثر من الغضب او الخوف . تحت هذه الشمس الحارقة مرتدين السواد وهذه الخوذات والدروع الثقيلة والعصى ... كيف يتنفسون ؟!. انظر الى العسكرى الواقف امامى مباشرة , برغم الخوذة استطيع ان ارى عينيه .. يا الهى , كما هما عينان , طيبتان, منهكتان , انظر اكثر فأرى بشرته السمراء وعظام وجهه البارزة,و انظر اكثر فارى : الجوع. بدأت للحظه اشعر بالخجل لأننى السبب فى أن يقف هذا الكائن الضعيف-مثل-تحت هذه الشمس الحارقة , ولكن ... لولا الجوع , عليه ان يفهم اننى هنا من اجله . كانت بيننا مسافه صغيره, هو يستطيع اذن ان يسمع صوتى. قلت :نحن هنا من اجلكم! فابتسم فى تهكم وقال : ونحن ايضا. فكرت لماذا يحاول ان يبدو قاسيا ,ارى فى ملامحه ملامح الطيبة واللين,ارى فى عينيه اسرته التى تركها خلفه, خمسة او ستة افواه جائعة وامهم الصبور المنهكة تنظر اليهم بعين من لم تعد تهتم بشىء , بعين من لم تعد تنتمى لهذا العالم . تحت الشمس الحارقة رأيت من يرتدى الابيض من بعيد كالطاووس يمر بيننا , ويصيح فى العسكر , يحفزهم , و...يسبهم. التفلت الى العسكرى فرايته يزوم بشفتيه وينظر بعيدا ابعد منى ومن المكان ينظر فى غضب . ازعم انه يرى الان ابويه الطيبين الذين اخذت منهما الدنيا اكثر مما اعطت , اظنه يفكر الان انهما لا يستحقان ان يسبا بهذه الطريقه , لا ...لا يستحقان. الشمس والجوع يتنافسان فى احراقنا , فى انهاكنا ,لا.. لن نتراجع, لن نعود قبل ان نصرخ علينا ان نعلن اننا لم نهزم بعد. العسكرى امامى منهك متوتر , قلت له :نحن واحد !قال : اعلم قلت : اذن ؟قال: قطع الشطرنج لا تتمرد قلت :انتم بشر.قال : الجوع!صحت فيه : هراء. اخذ صدى صيحتى يتردد, وساد صمت رهيب بعد هذه الكلمه .قال لى متهكما:تحت الشمس الحارقه, فى هذا اليوم,....والان, انتم من اتيتم من اجل لقمه العيش ...مثلنا. غضبت ,لماذا اشفق على هذا العسكرى ..على قطعه الشطرنج . نظرت لمن بجوارى قررنا ان نبدأ نحن ..صرخنا بالشرارة!.. الجوع ..الجوع . وكانها الشرارة : فصرخ العسكر وهجموا علينا .المسافه بيننا قصيرة استطيع ان ارى الشراسة فى اعينهم أم.....ام هو البؤس....ام هو اليأس .رفعوا عصيهم ينهالون علينا, هم لا يضربوننا نحن , ادركت ذلك من عين العسكرى , هو لا ينظر الينا ,يداه فقط تتحرك ,اما عيناه فهما تنظران بعيدا هناك, تنظران الى اسرته... ابويه عليه ان يضرب اكثر حتى لا يفقد وظيفته , هو لا يضربنا نحن ,هو يضرب فينا ظروفه البائسة كأننا نحن الفساد والبطاله والفقر والذل وضياع احترام الذات ! نحن بالنسبه للعسكر مجرد اسماء معنوية . نحن هم ,وكأنهم يضربون انفسهم فينا لسكوتهم ! فقد طال سكوتهم حتى ماتت الاصوات ولم يعد من الممكن الكلام والاعتراض. أخذت أحاول أن أتفادى الضربات وأصرخ أكثر, أصرخ , أتفادى , أركض , أعود أساعد هذا, انحنيت على الارض , ألملم ما سقط منى , كرامتى وحريتى....حريتى وكرامتى. ووسط هذا الصخب....وسط هذا الصراخ...وسط هذا العويل , سمعت ضحكة...ساخرة ماجنة, ضحكة شيطانية . رفعت رأسى,بحثت بعيناى حتى وقعتا عليه...انه هذا الرجل الذى يرتدى الابيض , هذا الشبيه بالطاووس , يقف هناك بعيدا,لكنى مازلت اسمع ضحكاته ....لم أعد أسمع شيئا سوى ضحكاته. أنظر حولى الكل مشغول, هناك من يضرب, هناك من يسب , هناك من يصرخ...لكنى ما عدت أسمع شيئا. فقط أسمع الضحكات. رأيته يميل على طاووس أخر بجواره , لما هو بهذا الكبرياء؟! بهذا الغرور. أردت أن أصيح به " يا صاحبى أنت طاووس, أنت مجرد ريش, كل ما تمتلكه وتتباهى به وتفتخر , هو مجرد ريش ,فقط ريش"رأيت شفتيه تتحركان.لا ادرى كيف, لكننى أسمع ما يقول,مال على أذن صاحبه يقول "أرأيت!عصفوران بحجر واحد".
نقلا عن جريدة الدستور
نقلا عن جريدة الدستور



